قواعد الاشتباك كيف تبنى وكيف تحاك ؟

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

أولاً : تمهيد :

منذ بداية حرب " طوفان الأقصى " ، وانهيار وقف إطلاق النار الأول الذي بدأ في 22 11 2023، واستمر لستة أيام، استأنف العدو بعدها الحرب، مطوراً مناورته البرية، على أكثر من محور من محاور القتال في غزة ، وكذا في الجهبة الشمالية، عندما شن العدو سلسلة من العمليات الأمنية ضد المقاومة الإسلامية " حزب الله "؛ بدءاً بعمليات البيجر في 18 09 2024، ثم اللاسلكي في 19 09 2024، وصولاً إلى استهداف السيد الشهيد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله رحمه في 27 09 2024، منذ ذلك الوقت والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه: مالذي أطاح بقواعد الاشتباك التي كانت تضبط ( رتم ) الصراع بين المقاومة الفلسطينية واللبنانية مع عدوها الصهيوأمركي؟ فأخرجت العدو عن طوره، وجعلته كـ (فيل) في محل خزف، يقتل ولا يقاتل، ويدمر لمجرد التدمير. إن الإجابة عن هذا السؤال ليست هي موضوع هذه الورقة، فالحديث في هذا الأمر يطول، وتختلف فيه الرؤى والآراء، وإنما هدف هذه المقالة هو الحديث عن مفهوم قواعد الاشتباك، عن أصل المفهوم ومقتضاه، وكيف يتم التفاهم على هذه القواعد ويعمل بمقتضياتها؛ طوعاً أو كرهاً، كون الحديث حول هذا المفهوم والتعريف به والتعرف عليه كفيل بتبريد الرؤوس الحامية أولاً، وتعريف ذو الشأن أن الصراعات والنزاعات والحروب، ما لم تكن صفرية المعادلة، ونادر ما تكون على هذه الشاكلة، مالم تكن كذلك، فإن لها ضوابط تضبطها، وحدود تحدها، وقيود تقيد اندفاعتها. 

ثانياً :  تحرير المصطلح : 

هي عبارة عن مجموعة من الضوابط والسياسات؛ المتفق عليها فعلاً، أو ضمناً، والتي تعمل على تقييد الإجراءات، من أجل السيطرة على الأزمة ومنع تفاقمها: زماناً: بحيث لا تطول عن الوقت المقدر لها فتدخل الأطراف المتنازعة في حالة استنزاف متبادل، ومكاناً: بحيث لا تتجاوز جغرافيا محددة منعاً لتوسع رقعة الخراب والدمار، ووسائطاً: بحيث يبقى سقف تشغيل الأدوات محدد بنوع معين، الأمر الذي ينعكس على كم ونوع الخسائر والتضحيات. 

ثالثاً : أهميتها : 

إن التفاهم على قواعد اشتباك تحكم سلوك المتحاربين، أو المتصارعين، ليس ترفاً زائداً، ولا كرم أخلاق من أحدهما تجاه الآخر، وإنما هي من مقتضيات العقل والمصلحة لكلا الطرفين، حيث تبرز أهمية هذه السياسات والضوابط في أمور كثيرة، من أهمها ما يأتي : 

  1. ضبط الصراع : 

إن الحروب تخاض من أجل تحقيق أهداف، ويضحى بالأرواح من أجل أن تحيى وتعيش أخرى، ويُتنازل عن قدرات وأصول، لحماية قدرات أوصول أهم، ويغض الطرف عن تشغيل قدرات بهدف لجم الطرف الآخر عن استخدام ما لديه من قدرات ليس لدينا ما يحد من تخريبها، لذلك فإن العمل بمقتضى قواعد الاشتباك المتفق عليها فعلاً أو بالمضمون، يساعد في السيطرة على الصراع، ومنع تمدده وخروجه عن السيطرة؛ زماناً، ومكاناً، و أدوات وقدرات، كما ذكرنا عند تحريرنا للمفهوم. وفي هذا تحقق لمصلحة طرفي النزاع؛ ما لم يكن أحدهما( أخوث) . 

  1. الحد من الخسائر في كلا الطرفين : 

وهذه هي غاية الحد من الصراع، والسيطرة عليه، ومنع تفاقمه، فما يمكن تحقيقه بالتضحية بمئة مقاتل؛ من العبث واللامسؤولية أن يضحى من أجله بمئتين، وما هو مطلوب من خسائر تُلحق بالعدو من أجل لجمه، وإيقافه عند حده، من الجنون أن يُعمد فيه لخسائر أكبر، تُخرج العدو عن طوره، وتُدخله معنا في معادلة صفرية ، فيعمل إلى حرق ( المراكب ) ، رائده في ذلك : أنا الغريق فما خوفي من البلل!!   

  1. إفساح المجال للجهود السياسية : 

إلّا أن أهم ما يمكن أن تقدمه قواعد الاشتباك من فوائد للصراع والمتصارعين هو : منح كلا طرفي المعادلة فترة زمنية مناسبة لتقدم الجهود السياسية المبذولة من الوسطاء الذين سيدخلون حكماً لفض النزاع، وحل الصراع، فتمنح جهودهم فترة، أو فترات زمنية مناسبة، علّ ما يبذلون من جهود تفي بالغرض، فتحقن الدماء، وتوقف النزاع، ويخرج كلا طرفي الحرب أو الصراع ببعض من أهدافهم التي خاضوا من أجلها الحرب، وبذلوا من أجل تحقيقها التضحيات . 

هذه فوائد ثلاث من أهم ما يمكن أن يقدمه التفاهم على قواعد اشتباك تحكم سلوك المتحاربين، والمتصارعين، فتضبط نزاعهم، وتحد من خسائرهم، وتمنح الوقت ليصلح ما فسد بينهم . 

رابعاً : متطلبات وجودها وإقرارها : 

كما أن لقواعد الاشتباك أهدافاً ومنافع، فإن لها متطلبات وجود، ومقدمات إقرار، من أهما ما يأتي : 

  1. عقلانية طرفي الصراع : 

إن أول متطلبات وجود قواعد اشتباك تضبط سلوك المتحاربين، فرض عقلانية طرفي الحرب، كون مقتضى العقل يتطلب التحكم في السلوك، وضبط الإجراء ، والحرص على عدم خروج الأمور عن السيطرة، والسعي لحل النزاع بأقل الخسائر، وأقصر الأزمان، أما الدخول في حرب مفتوحة، زماناً ومكاناً ووسائطاَ، فهذا ما لا يقره عاقل، ولا يسعى له ذوي الحجى . 

  1. إرادة عدم التصعيد مع القدرة عليه عند الحاجة :

الأمر الآخر الموجب لوجود هذه القواعد، والمساعد على إقرارها؛ إرادة عدم التصعيد، وضبط النزاع، إرادة صادرة عن قدرة، وليس مردها العجز. إن إرادة عدم التصعيد حتى تصنع قواد اشتباك، لابد أن يرافقها ما يدلل على إمكانية دفع الأمور إلى مستوى أعلى إن لم ينضبط الطرف الآخر عند حد معين، أو لم يرعوي عن سلوك خاطئ ، وإلا فإن هذه الإرادة سوف تفسر على أنها عجز، وقلة حيلة، وضعف، سيفضي حكماً إلى خروج الموقف عن السيطرة . 

  1. ميزان الجدوى والأكلاف :

كما أن من مقتضيات التفاهم على مجموعة من قواعد الاشتباك التي تحكم صراع طرفين، والعمل بمقتضى هذه القواعد؛ ميزان الجدوى والأكلاف من الإجراء المنوي القيام به، فلا جدوى من إجراء جر خلفه أكلافاً مضاعفة، أو فتح باباً لا يمكن غلقه، فما يضبط السلوك والإجراء؛ قناعة كثرة فوائده، وقلة مضاره، فدفع المفاسد أولى من جلب المصالح . 

  1. محدودية القدرات : 

كما أن محدودية القدرات وشحها من الأمور التي تجبر الطرف الأضعف على وضع سلسلة من قواعد الاشتباك مع غريمه وخصمه، ففي الوقت الذي لا يريد الضعيف أن ( يطحش ) عليه القوي فيسحقه، فإنه ـ الضعيف ـ لا يرضى أن يكون ( ملطشة ) لعدوه، لذلك فإنه يسدد له ضربة من هنا، وأخرى من هناك، مضبوطٌ سلوكه بضابط عدم إخراج العدو القوي عن طوره وعقله، فيسحق كل ماهو مصدر للضرر، ومثل هذا السلوك من الضعيف هو من مقتضيات الدين والعقل والمصلحة، فلا يكلف الله نفساً إلّا وسعها، وما أمرنا شرعاً بدفع ضرر بضرر أكبر منه . وهنا نحن لسنا بحاجة إلى التذكير أن هذا السلوك إنما هو مرحلي، فرضه الموقف، وأنه يتغير بتغير الموقف، وتطور القدرات. 

  1. مُقيدات القدرة :

يخطئ البعض عندما يعتقد أن امتلاك القدرة ـ مطلق قدرة ـ يعني امتلاك حرية التصرف فيها، تشغيلاً وتفعيلاً، وهذا من أهم ما يمكن أن يقع فيه القائد أو المسؤول من أخطاء، فالقدرة قد يقيد تشغيلها مُقيدات عدة، كما يمكن أن يحد من حرية التصرف فيها وفق ما نشاء محددات كثيرة، منها ما هو ديني، أو إجتماعي، أو سياسي، أو جغرافي، أو فني، أو بشري، وهنا يطول البحث والتفصيل. إلّا أن ما يعنينا هو معرفة أن أحد عوامل الدفع نحو التفاهم على قواعد للاشتباك؛ فهم القادة والمسؤولين أن للقدرات مقيدات، وللوسائط محددات . بالمناسبة، ما هو أهم من امتلاك القدرات هو : القدرة على تشغيل هذه القدرات، وإلّا تحولت ـــ القدرات ــ من نقطة قوة إلى نقطة ضعف ومقتل، وفي هذا تفصيل. 

  1. لا مشروعية الإجراء : 

ومما يُلزم المتنازعين أو المتحاربين على الانضباط بقواعد الإشتباك؛ لا مشروعية إجراء قد يقدم عليه أحدهما، فالمعتدي حتى لا يزيد ( الطين بله ) ولا يثير الدنيا في وجهه كونه المبادر بالاعتداء، فإنه يعمد إلى ضبط سلوكه وإجراءاته بمجموعة من الضوابط، محاولاً تجاوز قطوع اللامشروعية، بإظهار الإنضابط والمسؤولية في تشغيل ما بين يديه من قدرات قتالية . 

خامساً : خلاصة :

كخلاصة لما جاءت عليه هذه الورقة، فإن الحرب تخاض لتحقيق أهداف، والأهداف محكومة بمعادلة جدوى وأكلاف، والبارع من يصل إلى أهدافه بأقل الخسائر، ومن يسيطر على الموقف، ويمنع تفاقمه ليحد من خسائره، لذلك كانت قواعد الاشتباك من أهم المفاهيم التي يجب أن يتعرف عليها القادة وأصحاب القرار، كونها ــ قواعد الاشتباك ــ من ملزومات بناء معادلة الرعب، كمقدمة لمعادلة الردع . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . 

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023